أصحاب البلدية
كتبهافؤاد وكاد ، في 13 مايو 2008 الساعة: 18:21 م
ما ان تترجل من الحافلة أو من القطار أو من أي وسيلة ركوب أخرى الا ويممت وجهك شطر الخبازات . انها قلب المدينة التجاري النابض . هذه المدينة القابعة في بؤسها الغابر ، المناضلة الوديعة ، المترامية الاطراف ، يلفها غبار النسيان . فاذا كنت من ضواحي المدينة وترجلت لتوك من الاطوبيس قادما من الفوارات شرقا او من اولاد وجيه غربا ، او أتيت مشيا على قدميك من سيدي عياش . عليك أن تكون زبونا جيدا في الخبازات ، فهي مضرب المثل في الرخاء والسكينة ، تخالها تقع في احدى ضواحي مدينة (نيويورك) الشهيرة . فحتى العاهرات على طبقات ودرجات ، منهن الصبايا ذوات الميني جوب والميني بوط الى الشمطاوات مصدرات مرض العصر ، منتصبات كعمود الكهرباء ، غالبا ما تجدهن يتشاجرن على زبون عجوز لاينفلت من بين أظافرهن الا بصعوبة . وهناك بعض العاهرات المتخصصات في رمي شباكهن على زبون محتمل بالهاتف النقال موهمة اياه بأنها في مكالمة مستعجلة مع عشيقها المدلل . فلا مفر لك من الخبازات فكل الطرق والشوارع والازقة تؤدي بك اليها .
أما اذا كنت مسافرا من بلاد بعيدة فلا شك أنك ستتذوق سمك مهدية الطري المشهور المقلى في الزيت . وعليك أن تكون أريستقراطيا في ذوقك اذا أردت ان تنسجم مع أهلها بسهولة . ولا يقلق راحتك فيها سوى هؤلاء الباعة المتجولين ومناوشاتهم وتدافعهم حول مكان ما فارغ ليجد أحدهم موقع قدم من أجل ان يعرض بسلعته على المارة كأنك لاتستطيع أن تميز بينهم وبين المتسولين الذين يباغتونك بكل استفزاز في أي مكان ، ولا يزعجك لغطهم وصياحهم وهم يجرون في كل اتجاه كأنهم في عرض مسرحي عشوائي بدون اخراج ، خائفين من رجال الشرطة ومعهم بعض (الحنوشة) الذين ترجلوا من سيارتهم يتوعدونهم بأشد العقاب واذا لم يمتتلوا سيأتونهم بأصحاب البلدية ثم رجعوا الى سيارتهم وينطلقون بزعيقها المتقطع . عاد الهدوء والاستقرار في الخبازات . تنهد احد الباعةالمتجولين قائلا׃
- “اذا رجعوا لنا بأصحاب البلدية سيكون علينا نهار اسود ، ستقطع ارزاقنا ” .
وتنهد أخر يجيبه قائلا׃
- ” ان أصحاب البلدية لا يرحمون ، فقلوبهم غلاظ ، الله يخرج الجرة بسلام” .
ولم يمر على حديثهم الا برهة من الزمان حتى عادت الجلبة ليعلو الصخب والجري من جديد.
انهم يتكلمون بجد هذه المرة . لقد رجع رجال الشرطة ومعهم بعض (الحنوشة) ، يتبعهم عمال البلدية ببدلتهم الزرقاء متسلقين شاحنة صغيرة وعيونهم شاخصة ، ينقضون على أي شيئ يصادفونه في طريقهم .أصحاب العربات الصغيرة يجرونها مهرولين ، وسلعتهم من الفواكه تتساقط على الارض غير ابهين ، مكتفين بما تبقى منها . قررت أن أنسحب من هذه الضوضاء التي تحدث الصداع في الرئس وأنجو بجلدي من وسط هاذا التدافع .
اتجهت فورا الى سينما″الرياض″ لامر بجانبها . وجدت بائعا متجولا بعربته المتواضعة في زقاق صغير خلف السينما يعرض بسلعته من البرتقال ويطل برئسه ليسأل بعض المارة ان كان أصحاب البلدية والشرطة قادمين اليه . كنت محظوظا لأنني الزبون الوحيد الذي سيشترى منه . سألته عن الثمن ، لم يجبني وظل منهمكا في ترتيب سلعته كأن شيئا لم يحدث ، دون أن يعيرنياهتمام .
ظهر من أخر الزقاق رجل يضع في جيوبه وسيجارته يلعب بها بين شفتيه كأنه ″لوكي لوك″ . سأل عن الثمن دون أن يقترب من العربة . أجابه البائع المتجول׃
- ″درهمان سيدي ، درهمان فقط″ .
استشاط الرجل غاضبا׃
-″ أتبيعني بعض البرتقالات بهذا الثمن الباهض ، ياهاذا ؟ انك لم تعرفني ، سأرجع اليك لكي تعرفني جيدا ″ .
ثم ولى وجهته مهرولا . تبعه البائع المتجول ، يدفع عربته مسرعا لكي يلحق به ، طالبا ومترجيا׃
- ″ أرجوك سيدي ، خد بما شئت ، لقد عرفتك ، تمهل سيدي ″ .
أما أنا فلم أظفر منه بجواب ، وبقيت على حالي ألح عليه بأن يبيع لي بعض البرتقالات لكي أطفئ عطشي وأريح ثعبي . واستدار نحوي حتى تطاير لعابه في وجهي ينهرني׃
- ″ ومن تكون أنت!? ، هل أنت من أصحاب البلدية ″ .
ملاحظة
الحنوشة ׃ الشرطة السرية
عبدالعالي بن علال أبوجليل
Aboujalil99@hotmail..com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة القصيرة | السمات:قصة القصيرة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























