الرجوع

كتبهافؤاد وكاد ، في 4 مارس 2008 الساعة: 00:01 ص

الرجوع
عاد ولد حادة بعد غيبة طويلة قضاها في صفوف القوات الفرنسية حينما كان منضويا تحت لوائها في الحرب الهند الصينية . هذه الحرب التي لم يكن يعرف معناها ولا لمن يحارب ولا من يحارب سوى انه كان يرفع شعارا واحدا هو ( لا الاه الا الله ، محمد رسول الله ) مع اخوانه المغاربة العرب المسلمون وكذلك اخوانهم الافارقة ، خصوصا السينغاليون منهم أتباع الزاوية التيجانية .
عاد ولد حادة وكله شوق وهيام الى قبيلته واهله حيث كاد أن ينمحي اثره في ذاكرتهم في هذه الغيبة القاسية المريرة . سببه في ذلك هو شيجاره العنيف الذي كاد ان يقتل فيه احد أصدقائه في الحي . لكنهم سمعوا انه فر الى مدينة القنيطرة ، ومن هناك ذهب ليقطع البحرالى الضفة الاخرى ، فهو لم يرسل لهم ، وهم لم يكلفوا أ نفسهم عناء البحت عنه،ااجتمع حوله الاهالي من المسنين والشباب والعجائز ، حتى الاطفال الصغار يتسلقونه ليداعبوا أزرار بذلته العسكرية وبعض  النياشين القليلة المثبتة على صدره . الفرح يتطاير من عينيه ، والسرور يتدفق من شفتيه فتظهر أسنانه المسوسة بالتبغ الاسود . يشعل سيجارة بعقب سيجارة أخرى . يزيح قبعته الخضراء تارة الى جبينه وأخرى الى أم رأسه . مزهوا بنفسه كأنه أستقبل استقبال الابطال . أمطروه بأسئلة من كل حدب وصوب . قال له أحدهم مثلا:
_ " هل حقا كنت تضاجع الشينويات ؟! ،وهل هن لذيذات مثل بنات قبيلتنا ".
وقال أخر :
_ " وهل كنت فعلا تصطاد الضفادع والحشرات أنت أيضا ؟!". وكان يردد عليهم مغامراته ويقص عليهم أهوال الحرب..
عاود الحنين ولد حادة الى بساتين الرمان والتين الاسود والتين الشائك ، وبعض الاطلال والذكريات التي تركها ورائه . لكن الشيئ الذي انكره عليه أهاليه هوهذا الزي العسكري، لقد أصبح نصرانيا ، فلا قبل لهم بذلك ، فهم مسلمون يلبسون الجلباب والسروال الفضفاض ، ونعال جلد الابقار . على كل حال هو من جلدتهم وابن عمهم يجب عليهم تكريم ضيافته.
استنفرت القبيلة كلها لضيافته . هناك من دبح له بقرة عجفاء ، ومن لم يستطع يدبح له خروفا ابن سنة ، فديكا هنديا أو دجاجة على الاقل ، وذبت الحركة في الخيام كأنها في عيد .
نادت عبوش على جارتها الضاوية لكي تعطيها بعض الاواني . خرجت الضاوية مهرولة لتقف على جانب الخندق الذي يفصلها عنها ، سألتها لماذا كل هذه الاواني في مثل هذا اليوم؟.أجابتها عبوش بأنها ستستخرج بها مشتقات الطحين على ثلاث مراحل. ف(الميدونة) تستخرج الكسكس بالحليب ، و(التيلة)  تستخرج الملوي بمرق الدجاج ، أما (الغربال) يستخرج السميد ليصنع منه (حرشة) كبيرة تفتت إلى جزيئات مصغرة ، تصبين عليها السمن البلدي الساخن ، وها أنت أمام أكلة لذيذة تسمى ب (الرفيسة) تقدميها إلى ضيفك العزيز وادا ما عزفت على تقديمها له يحس بنفسه كأنه ضيف ثقيل غير مرغوب فيه ولو قدمت له خروفا مشويا ، كما إنها شبه مقدسة يتخاطفها أتباع الزاوية العيساوية . وضعت الضاوية سبابتها فوق شفتيها مستفيدة من عبوش ، قائلة لها ׃
־״ وما شأن ابن شقيقتك حادة بهذه الأمور وهل سيرضى لك بالرفيسة ، ألا ترين انه رجع بزي النصارى ،أن الحياة تتغير ، فانا لااثق في الزمان يا أخيتي . أجابتها عبوش وهي واثقة مما تقوله ׃
־״ ولله لو أعطيته أكلة (ماكدونالد) ما وضعها حتى على انفه يا أخيتي ، لابد أنه راجع إلى أصله ، إني اعرف ابن شقيقتي حادة جيدا . لقد كبر وترعرع في حجري . ألا ترينه يتشمم رائحة التراب ويتلصص على أخبار ابنتي شامة ، ثم أر دفتها بقهقهة عالية ، ليس لها سوى ناب واحد معلق في شفتها العليا . انتفضت شامة واقفة بعدما كانت جالسة القرفصاء ، تقول لأمها ׃
־״ كم أنت سليطة اللسان يا أماه ! ، أدخلي لتقومي بواجبك ، ماذا ستقول عنا القبيلة إن لم نذبح ولو ديكا صغيرا ثم هرولت لتجلب الوقيد المكون من خضار الأبقار المجفف تحت اشعة الشمس في فصل الصيف على سطوح الخيام ليخزن إلى فصل الشتاء . رمت به إلى جانب أمها التي جلست تلتقط بعض الأقراص من الوقيد لتقذف بهم إلى داخل الكانون ، تنفخ بشدقيها حتى انتفخت أوداجها والدخان يغمر وجهها ، تشير بأصابعها إلى ابنتها راضخة لها بأن تفعل ما يحلو لها ، تنفست شامة الصعداء لأنها ستقوم بواجب الضيافة علها تضفر بالتفاتة كريمة من ابن خالتها .
مرت أيام معدودات وولد حادة ينعم في عطلته السعيدة بالضيافة من خيمة إلى أخرى حانت نهايتها ودقت ساعة الرحيل. خرج ولد حادة يشيعه قومه بالدعوات الصالحة والسفر الميمون منتظرين حافلة النقل الحمراء الوحيدة القادمة من مدينة بالقصيري إلى مدينة القنيطرة ومن هناك سيقطع البحر إلى الضفة الأخرى . اجتمعوا حوله ليعانقوه ويقبلوه ، وما أن تقدم أولهم ليحتضنه بين ذراعيه حتى ارتمى ولد حادة على صدره وأجهش بالبكاء ، أخد يتحشرج بقوة كأنه طفل صغير اخدت منه لعبته ، بل أصابته الهستيرية وازداد حدة في البكاء والعويل . سقط على الأرض يضرب بقبعته الخضراء تارة على فخديه وتارة على الأرض ، يلطم وجهه بالتراب . أصابت الحيرة وجوه الحاضرين والاستغراب في الرؤوس المتكدسة حوله . قال احدهم يغمز عليه شماتة فيه ׃
־״ انه لم يستطع فراق الولائم الفاخرة ، الم تروا كيف انتفخت بطنه؟ ! ״ .
وقال أخر يعارضه׃
־״إن فراقه لأهله وقبيلته هو السبب في هذا الأمر״ .
تقدم احد المسنين العارفين ليقول له ׃
־״ مابك يا رجل ، أو لم نحسن ضيافتك؟!״.
هنا وجد ولد حادة فرصة ليخرج من ورطته ، يتحشرج رويدا رويدا ،  ليقول ׃
״ بلى … بلى ! يا أبناء عمومتي ، إنكم لم تكرموا وفادتي ״ ثم زاد بصوت خافت ׃
־״إنكم لم تقدموا لي الرفيسة״.
وفي هذه اللحظة تقدمت خالته عبوش مخلفة يديها فوق عجيزتها ، مشرئبة بعنقها ، تتلعثم بنابها الوحيد ، المعلق في شفتها العليا ׃
־״ الم اقل لكم أن الرجوع إلى الأصل اصل ؟!״.
ثم أردفتها بزغرودة عالية وتبعتها زغرودة خافتة في خيمتها لتتفجر على أثرها زغاريد من
كل خيام القبيلة إلى عنان السماء.   
 
 
عبدالعالي بن علال أبوجليل
Aboujalil99@hotmail.com
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة القصيرة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “الرجوع”

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة

    ارجو منكم المساهمة معي في الاستبيان وهو خاص برسالة الماجستر , موضوع الاستبيان خاص بالمدونات في العالم العربي.
    املا تجاوبكم معي في هذا الاستبيان, وانا علي استعداد في مناقشة اي امر يتعلق بهذا الاستبيان للراغبين في الاستفادة منه او الراغبين في المساعدة في اجراء بحوث او تصميم استبيانات
    شاكرا لكم حسن تعاونكم

    الرجاء الزر علي رابط الاستبيان ادناه للمشاركة في الاستبيان

    http://www.polldaddy.com/s/E33193800B1D3695/

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة

    اخوكم
    عبدالسلام الفيتوري

  2. الرجوع الى الأصل أصل

    عذوبة السرد عندك وسلاسة اللغة تجعل المرء يعيد ما يقرأه هاهنا المرة تلو الأخرى

    تحيتي ومودتي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر