عام البون
كتبهافؤاد وكاد ، في 23 مارس 2008 الساعة: 22:45 م
عام البون
الأضواء في مدينتنا البئيسة خافتة ، وشبه منطفئة إلا من مصباح واحد يشع بقوة من بعيد يضيء على بناية ″ القرض الفلاحي″ المتواجد في آخر نقطة من هذا الشارع الطويل الذي يفصل مدينتنا البئيسة إلى نصفين ، نصف نافع ونصف غير نافع .
كنت أنا وصديقي ألأعرج نجوب هذا الشارع الطويل . دون أن نلوي على أي شيء تحت رذاذ المطر الخفيف، في هذه الليلة الظلماء . تطل علينا من سمائها نجوم قلائل بخجل في غياب القمر. إنها ليلة القدر المباركة ، التي هي خير من ألف شهر.
قلت لصديقي:
_″هناك أطياف بشرية تتحرك بسرعة تحت الضوء المشع على البناية لم تتضح لي جيدا″ أجابني صديقي ، قائلا لي:
.- ″إنهم جمع من الفقراء ، ينتظرون زكاة الفطر في إطار التضامن"
ثم زاد مستهزئا مني
׃
_ " انك لاترى شيئا أيها الأعشى".
استحسنت اللقب من صديقي تيمنا بالشاعر العربي الكبير الذي عاش في العصر الجاهلي ، لكن صديقي مصاب بالبهاق في شفتيه ، لأنه عوض إن يقول لي الأعمش ، ينطق بالأعشى . فأردت أن أنتقم لنفسي ، فقلت له׃
- " انك تنط كالضفدعة أيها ألأعرج ، هيا واستجزلي لنا ألأمر لنأخذ نصيبنا معهم من زكاة الفطر" . وهرولنا ملهوفين إلى عين المكان.
وجدنا جمهور غفير من الناس يتصايحون ويتلاغطون ، مزدحمين ، يتدافعون بالمناكب حول شخص مادا يده إلى أعلى ، ممسكا بورقة ،ما أن ينطق باسم صاحبها ، حتى يختطفها هذا الأخير من بين الأيادي المشرئبة إلى أعلى ، يخرج من الضجة فرحا بشوشا لأنه أصبح من الفقراء المحظوظين أو الممتازين
تساءلنا عن مصدر اقتناء هذه الورقة ، قال لنا أحد العارفين بباطن الأمور׃
־ ״ عليكم أن تذهبوا إلى الرجل الكريم الذي أكرمه الله ، هو الشخص المخول لإعطاء هذه البطاقة ، وأشار لنا بأصابعه إلى بعض الأمتار حيث يوجد مكانه في مأرب لشاحنات الفحم وأعواد البناء والكارطون حيث اجتمع الفقراء الذين تناسلوا من كل حدب وصوب . خرج علينا من الباب الصغير رجل طويل القامة قوي البنية ، في يده عصا غليظة ، يهش بها ، ويصيح بأعلى صوته ׃
־ ״ أشكون اللي عندو البون״. معه معاونه يتفحص بطاقة الاستفادة أو البون كما يسميها هذا الرجل القوي البنية ( نسبة إلى عام المجاعة في الأربعينيات حيث كان الاستعمار الفرنسي يوزع الطعام على المواطنين في الطابور ، لهذا سمي بعام البون). ثم يزداد الصياح والتشاجر حتى يسقط بعضنا على البعض الأخر وخصوصا المعوقون منا ، كأننا أسرى حرب ننتظر الإغاثة .
الفقراء المحظوظون أو الممتازون هم الحاصلون على هذا البون ، يدخلون ويخرجون ، فرحين بشوشين . سألت صديقي عن مصدر ذلك الضوء الخافت كأنه ضوء شمعة ، وتلك الأطياف البشرية التي تتحرك كالكراكيز في الجانب المضيء في تلك الغرفة المنزوية . فقال لي ׃
- ״ انه ياصديقي الأعشى مكان صاحبنا الذي نبحث عنه ، انه الرجل الكريم الذي أكرمه الله ، يقوم بنفسه بالإشراف على تسليم البون على مريديه ، يسجلها على الانترنيت ، انه يتعبد بطريقة صوفية…!״
فقلت له مندهشا׃
- ״ وهل بقي هناك من يتعبد بالطريقة الصوفية أيها المعتوه…!?"
أجابني:
- " بلى ياصديقي ، إنها الحداثة ، إن صاحبنا يريد أن يمتطي صهوة رياح العولمة . وما أدراك أنه سيرشح نفسه أمينا عاما للأمم المتحدة على الانترنيت. ألا ترى انه لما جلس على رقابنا لم يتزحزح عنها ، ربما انه سيسلمها لأحفاده…!" .
قلت بعدما اقتنعت بمنطقية كلامه׃
- ״ الفلوس كالدير الطريق في البحر ياصديقي…!״.
عاد الرجل القوي البنية يذرع الأرض جيئة وذهابا ، يهش بعصاه ، ينادي بأعلى صوته׃
- ״ أشكون لي عندو البون״ .
اصطدم صدره بوجه صديقي ، انتهزها هذا إلا خير فرصة لكي يستعطفه بأن يسمح لنا بالدخول على حضرة الرجل الكريم الذي أكرمه الله ليمدنا بعونه ومعونته حتى نصبح من الفقراء المحظوظين أو الممتازين . نظر الرجل القوي البنية إلى صديقي بنظرة ازدراء، وقال له׃
- ״ أتقدر على أن تدلي بصوتك يوم الاقتراع أيها المعوق ، ودفعه على صدره حتى كاد أن يستلقى على ظهره لولا عصاه التي يتكئ عليها ، نخصني بها يأمرني بأن نخرج فورا من هذا المكان دون أن لوي على شيء . متطلعين ومتلهفين إلى الفقراء المحظوظين أو الممتازين ، يدخلون ويخرجون ، فرحين بشوشين بما في أيديهم من رزق وهبهم الله بفضل كرم الرجل الكريم الذي أكرمه الله . انطلقنا ببعض الأمتار خارج المأرب تحت الإمطار الغزيرة . ثم قال لي صديقي ألأعرج׃
- ״ أحقا يا صديقي الأعشى نحن في عام البون״ .
عبدا لعالي بن علال أبو جليل
Aboujalil99@hotmail.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة القصيرة | السمات:قصة القصيرة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























