شبهات
انبطح قدور على الحصير بعدما خلع حذائه البلاستيكي بصعوبة . وضع رأسه على الوسادة ، بين الفينة والأخرى يحكها بأنامله النحيفة ليتطاير منها هباء رقيق من كثرة حمل أكياس الطحين على كتفيه ، لايهم ، فهو لا يريد سوى قليل من القيلولة . الأطفال يتصايحون ويتشاجرون على فتات خبز بارد ، نصف عراة ، برازهم يزركش باحة الكوخ الصغير الذي يلمهم جميعا. زوجته تغسل الثياب ، لم تستطع أن تصمد أمام صراخ رضيعها الصغير الذي ينقصه الحليب ، انه جائع . نفضت يديها من الصابون ، وهرعت إلى زوجها لتزعق فوق رأسه׃
־״ قم لتجلب الحليب إلى رضيعك أيها الكسول ، انك لاتشبع من الشخير ، لا فائدة ترجى منك ، قم بسرعة ، ألا تسمع ، انك شبه الحمار״ .
ثم قالت مستدركة ׃
־ ״ لو كنت كذلك لركبناك وأرحتنا .״
وزادت تأنبه ׃
־ ״ ليس لك من الرجولة سوى هذه اللحية العريضة الكثيفة״.
نهض قدور مرعوبا بسرعة ، ملطفا الجو بكلمات يشوبها الحزن والمرارة׃
־ ״ ماذا أفعل يا زوجتي ، لقد جبت المدينة عرضا وطولا ولم أجد من يشغلني״ .
هرول الى الخارج يجرجر حدائه البلاستيكي وشتائم زوجته تتساقط علي دماغه كشظايا قذيفة . رمت بالقفة على قفاه ، تلقفها بذراعه ، صائحة فيه׃
־״ تفو …! عليك يا منحوس…! إياك أن ترجع بها فارغة…״
لفظه الباب ، وأخذ يغمغم في سره بسخرية وتهكم ׃
־״ نعم يا زوجتي ، أنا شبيه الحمار ، لو لم أكن كذلك لكان معي مال كثير ، وأصبحت عليك شهريارا ، لتزوجت عليك ألف امرأة وامرأة ، لكن ماذا أفعل أمام جبروت الفقر ״ .
ثم انطلق إلى أقرب نقطة ليركب حافلة النقل إلى مدينة القنيطرة القريبة جدا من مدينة سيدي يحيى عله يجد من يشغله هناك ، إنها عريضة وكبيرة .
بعدما ابتلعته الحافلة مع بعض الركاب القلائل ، جلس على أقرب كرسي ووضع القفة بين رجليه . شعر قدور برجل بدين بجانبه يشاركه السفر ، يظهر عليه أنه من أهل النعمة ، له لحية عريضة وكثيفة هو أيضا . إلا أنها مشذبة بعناية ، تفوح منها رائحة المسك وسبحة في يده اليمنى يحركها بسرعة ، تململ وتنحنح ليشارك قدور الحديث ، ثم تجشأ بصوت مسموع ، قائلا׃
־ ״ الله يلعنك يا دجاج ، لقد أصبتني بحريق التخمة״
تقزز قدور من هذه الفرقعة التي خرجت من صدر هذا الرجل البدين. تذكر الأكلة الشهية التي حرمته منها زوجته وهي عبارة عن خبز بارد اشتراه بالكيلو من دكان الخرداوات وقسمته إلى جزيئات مهشمة ، وصبت عليه ايدام الشحم المجفف تحت أشعة الشمس منذ عيد الأضحى ، مزجته بالحلبة والبصل . لمزه الرجل البدين بكتفه العريض قائلا׃
־ ״ إلى أين أنت متجه يا أخي في الله؟ ״.
فأجابه قدور بفتور׃
־ ״ إلى أن تتوقف هذه الحافلة إن شاء الله״
وتابع الرجل البدين قائلا׃
־ ״ ليتك تذهب معنا يا أخي في الله ، سيأتي أحد أمرائنا ليحدثنا عن الجنة والنار ، وأهوال القبر ، انه خطيب بارع لا يشق له غبار״ .
لكن قدور لم ينتبه له وظل جاحظا بعينيه إلى القفة الفارغة بين رجليه والويل له من زوجته إن رجع بها فارغة ، لمزه الرجل البدين مرة أخرى حتى تمايل قائلا له
المزيد